لماذا أحزن؟
فيصل بن كريم - مكة المكرمة
1439.06.00هـ
مذ صغري ينتابتي شعور الغرابة بعد التفادي من شعور الحزن، وأبدأ مساءلة نفسي لماذا أحزن؟ ولا شك أنك تسأل أيضًا، لأن من طبيعة البشر هي البحث عن السعادة، من صبايا ومشيخة؛ وأكثر الباحثين عن السعاة هم الفتوة؛ وتجد من يفعل أمور غير محببة لأجل سعادته، ولكن ربما نتناسى حقيقة هذه الحياة بأنها منقلبة، ومتغيرة من حال إلى آخر دون استقرار، ربما اليوم فرح، وغداً سيكون حزن، اليوم بكاء، وغدا ضحك، والعكس كذلك، ففيها الجمال وفيها القبح، ولابد لنا التعايش بحلوها ومرها، هكذا هي الحياة ويستحيل بنا العيش دون تحمل الظروف! وهناك موقف يزيد خجلي كلما أتذكره، وكان الموقف شديد عليّ من نواحيّ كثيرة؛ وكنت حينئذ راجعا من إحدى دورات صيفية، التي تقام لتطوير المجتمع المكي، وحين عودتي زاملني أحد المدرسين على ظهيرة يوم الرابع والعشرون من شهر شوال عام ألف وأربعمائة وثمان وثلاثون من الهجرة النبوية ١٤٣٨/١٠/٢٤هـ .
ركبت السيارة فأخذنا نستلطف الأجواء بأحاديث كثيرة، نتضاحك ونتطرّف، وفجأة سمعنا صوت انفجار إطار المركبة، وكنا على قارعة خط سريع، فالسيارات تمشي بسرعة كبيرة، وبدأنا ننزل بحذر، والجو كان حَرٌ عصيبا، وننظر يمنة ويسرة، فكل حُرٌ طليق لا أحد يتوقف ويمعن النظر، أو حتى يسألنا مالذي نعاني منه؟ وماذا حدث بنا؟ لم نجد من يقدم عونه في وقت كهذا، ومدرسي على طبيعته وكأن شيئا لم يكن!
عجبت من تصرفه وقوة تحمله، لأنّ قُبيل يوم الحادثة اندلع حريق إلى فراشه بعد أن تفجر وصلة كهرباء، توهجت النيران إلى الحائط وضربت يمينا وشمالا، بينما أهل الحي يقضون ساعات مرحة في الزفاف، هكذا سمعت والله أعلم بالصواب عن سبب الاشتعال، لكنني رأيته على سجاياه وهو يتصبب عرق الجبين، وكنت أنا من فقد رباطة جأشه؛ آنذاك تذكرت كلمات كتبتها قبل فترة وجيزة عن وقوع تلك الحادثة، وقلت فيها: ( قطار الحياة لا تتوقف لأجل حزنك، ولا لفقدك غالي وعزيز، وكلما عليك هو تحديد مصيرك؛ فإذا أردت نزول المحطة مستسلما الأوهام والأحزان! فلك ذلك؛ وإلا عليك السير مع العابرين إلى وقت الصدام ألا وهو الموت) ذكّرت نفسي بعباراتي، وتيقّنت بما قلت، ورضيت عن كلماتي، لمثل هذه الكلمات لا أهديها لنفسي إلا في حين يضيق بي الحياة؛ عززت مشاعري وأحساسيسي العميق، وهو متعارف فلا لا أحد يكذب مع مشاعره قطعا؛ وهذا ما أريد قوله بالأحرف التي تراه أمامك، بأن الحياة لا تتوقف عند حزني وحزنك، ولا عند بكائي وبكائك، ولا تنتهي مشاكلنا بالضرب، أو العنف، أو الغضب؛ إذا لماذا نحزن؟!
لو أن هذه الأمور لا تجدي لنا نفعا في أمر نحاول إصلاحه ولا نستطيع؟ فلماذا نضيف الحزن فوق حزن؟ وصحيح أن الإنسان يحزن عندما يقع في مصيبة ما، أو عندما يُبتلى، ولا ننسى حزن خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم عند موت ابنه وقال: (إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون) نعم يصينا الحزن فهو أمر طبيعي ولكن! ألا يعني ذلك ظلما للنفس؟! هو أن نقتل أنفسنا بالحزن لحاجة ما؟ أو لمصيبة ما؟ أو لحادثة من الحوادث أكثر من اللازم؟! ماذا لو تركنا الحزن بعيدا؟ أو مالذي يحصل عندما نحاول بأن لا نحزن بالبدء في إرضاء النفس؟ وبتفويض الأمر لربنا في تيسيرها؛ هل نسعد؟ هل نتألم؟ هل نتوجع؟ وهل ...؟ وهل...؟ أسئلة كثيرة ربما لا تنهتي وغالبا الإجابة تكون لا.
وكذلك البعض يرون الحزن أمر إلزامي، لأنهم يصابون بأمراض نفسية عندما لا يحزنون، أو سكته قلبية، أو ما أشبه ذلك من الأمراض المميتة، هكذا يدعون لكنني اكتشفت بأنها تفاهات لا أكثر، لأن هناك من جعل حزنه سعادة لمعرفته بأن الأرزاق مقسمة قبل لجوءنا إلى الحياة، فلما يحزن على قوت يومه؟ ولما أحزن إذا؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها والصفحة لا تتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات