أمّة اقرأ لا تقرأ!
حسين يوسف - مكة المكرمة
1439/01/00هـ
إنّ أول كلمةٍ نزل على نبيّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم هي كلمة ( اقرأ )؛ لذلك كان اهتمام سلفنا بالقراءة خير اهتمام، وضربوا لنا أروع الأمثلة في حبّهم وشغفهم بالقراءة، فهذا الجاحظ يصاب بالفالج (الشلل) إثر سقوط كتبه عليه ويكون ذلك سبباً في موته... ورُوي في سيرة أبي أيوب بن سليمان الشاذقوني أنّه كان يوماً في سفرٍ ومعه كتبه، فإذ بالسماء تمطر وليس مع الرجل شئٌ يغطّي كتبه فخاف عليها فأصبح يغطّي بصلبه يحميها إلى أن توّقف المطر، وقيل أنّه رُوُي في منامه بعد ذلك فقيل له: ما فعل الله بك، قال: غفر لي. قيل: بم قال: بانحنائي على كتبي.
ومن غريب ما رُوُي في حرص الأولين بالكٌتب ما نُقل عن أبي الحسن الفالي وكان أبو الحسن رجل علمٍ عنده مكتبة فأصابه الفقر فمن شدّة الفقر اضطّر لبيع بعض كتبه فلم يرض أن يبيع الكتاب حتّى ودّعه بأبياتٍ رقيقة إذا تأمّلتها ظننت أنه يكتب لزوجٍ أو حبيب ، فكتب في ظهر الكتاب قبل أن يبيعه:
أنستُ بها عشرين حولا وبعتُها *** لقد طال وجدي بعدها وحنيني
وما كان ظني أنني سأبيعها *** ولو خلّدتني في السجون ديوني
ولكن لضعفٍ وافتقارٍ وصبيةٍ *** صغارٍ عليهم تستهلّ شؤوني
فقلت ولم أملك سوابق عبرة *** مقالة مكوي الفؤاد حزين
وقد تخرج الحاجات يا أم مالكٍ *** كرائم من ربٍ بهن ضنين
وشاء الله أن يقع الكتاب بين يديّ الشريف الرضي فردّ عليه الكتاب ووهبه المال.
ومن طريف ما ذُكر في حبّ الأولين بالكتب ما ذُكر عن الحسن اللؤلؤي أنّه قال : منذ أربعين سنة مااتكئت ولاجلست ولا نمت إلا والكتاب على صدري ...!
بعد كل هذه النماذج، قد يتسائل الإنسان، مالذي نفعله... نحن الذين إذا قرأ الواحد منّا كتاباً لمدّة خمسُ دقائق ملّ منه وألقاه ...
تقول منظّمة اليونسكو أنّ كل عشرين عربياً يقرؤن كتاباً واحداً في السنة ، بينما البريطاني يقرأ سبع كتبٍ في السنة ما يعادل قراءة ١٤٠ عربيٍ ، ويقرأ كل أمريكي أحد عشرة كتاباً ما يعادل قراءة ٢٢٠ عربيّ، كما يقرأ الإسرائيلي تسع كتبٍ في العام الواحد ؛ وبالتالي يظلّ العرب أقلّ الشعوب قراءتاً ...
إن الأرقام أصبحت وصمة عارٍ علينا ؛ لذلك أصبح العرب لعبة في أيدي الغرب ...
إنّ لعزوف العرب عن القراءة إستفهاماتٌ كبيرةٌ وعريضة؛ فبدل أن نكون الأفضل من غيرنا في القراءة أصبح الأمر عكس ذلك.
فهذا التقصير هو الذي جعل أمّة اقرأ لا تقرأ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها والصفحة لا تتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات