الجمعة، 17 نوفمبر 2017

قليلاً من الأدب

قليلاً من الأدب


حسين يوسف - مكة المكرمة
1439.02.26هـ

( النبي والأدب )

لستُ أهلًا لكتابة هذا الموضوع ، وقد تناوله كثيرون قبلي ، ولا أعتقد أنّ أحدًا يمكنه أن يوفيه حقه ؛ وإنما أردتُّ أن لا أغفل هذا الجانب وأنا بصدد ذكر الأدب بكل ما يحتويه .

إنّ الله - سبحانه وتعالى - لمّا وضع لرسوله موضع البلاغ من وحيه ، ونصبه منصب البيان لدينه ؛ اختار له من اللغات أعربها ، ومن الألسن أفصحها وأبينها ، ثمّ أمده بجوامع الكلم التي جعلها ردءاً لنبوته ، وتصديقاً لرسالته ، فهو - عليه الصلاة والسلام - أفصح ولد عدنان ، بلغ المنتهى في البيان ، فلا ينتطح في ذلك عنزان ، ولا يختلف فيها شخصان .
عرّف الجاحظُ بيانه في البيان والتبيين فقال :"هو الكلام الذي قلّ عدد حروفه ، وكثرت معانيه ، وجلَّ عن الصنعة ، ونزّه عن التكلف..." ثمّ أتى الرافعي واصفاً أدبه وفصاحته إذ قال :"أما فصاحته صلى الله عليه وسلم فهي من السمت الذي لا يؤخذ فيه على حقه ، ولا يتعلق بأسبابه متعلق ، فإنّ العرب وإن هذّبوا الكلام وحذفوه ، وبالغوا في إحكامه وتجويده ، إلا أنّ ذلك قد كان منهم عن نظرٍ متقدم ، وروّيةٍ مقصودة..." 
وقد زكّى الله منطقه فقال (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) فبعد أن زكّاه زكى من يتلقّى منه فقال ( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ) فهو عليه الصلاة والسلام لا يقول إلا حقاً ، ولا ينطق إلا صدقاً ، وقال صلى الله عليه وسلم عن نفسه " أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ " ولم يقل ذلك افتخاراً منه وإنّما إقراراً لحقيقةٍ ثابتة كيف لا وهو أفصحُ من نطق بالضاد كما قال ذلك بنفسه .
ذكر ابن دريد في المجتبى أنّ عليّاً رضي الله عنه قال : ما سمعتُ كلمةً عربيةً من العرب إلا وقد سمعتُها من النبي ، وسمعته يقول : مات حَتْفَ أَنْفِه وما سمعتها من عربي قبله. 
وقد ذكر أهل الأدب أنّ للنبي ألفاظٌ لم يسبقه أحدٌ قبله وتبعه الناس بعده منها ما ذكره عليٌ في قوله :" مات حتف أنفه".
ومنها ما ذكره ابن دريد فقال :" ومن الألفاظ التي لم تُسْمع من عربيٍ قبله قوله : لا يَنْتَطح فيها عَنْزَان.
وقوله : الآن حَمي الوَطيس. وقوله : لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ من جُحْرٍ مرتين.
وقوله : الحربُ خَدْعَة.
وقوله : إيّاكم وخَضْراء الدِّمَن".
وخضراء الدمن : هي المرأة الحسناء في منبت السوء.
ذكر ابن خلدون أنّ الغاية من الأدب الثمرة ؛ فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء بهذا النمط من الكلام البديع الراقي الذي لم يسبقه أحدٌ قبله فلا شكّ أنّه قد حقق جانباً عظيماً من جوانب الأدب ؛ بل من أهمّ جوانبه وهو القدرة على هذا الإبداع الأدبي بمثل هذا الرقي .

بعد أن أسلفت نماذج من بيانه وفصاحته يحقُّ لنا جميعاً أن نعتني بهذ الأدب ، ونحرص على طلبه ؛ فالنبي هو المورد العذب الذي نغترف منه الفقه والأحكام ؛ فإذا كان النبي يهتمّ ، ويعتني به كان ذلك في حقنا جميعاً من باب أولى أن نكون احتفاءاً بهذا الأدب وعنايةً به.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها والصفحة لا تتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات