قراءة في أدب غسان كنفاني
أحمد عبدالله عبدالسبحان - مكة المكرمة
1439/07/30هـ
كنت أسائل نفسي إذ أقفز من عمل إلى آخر لغسان، كمن يريد التهام شطيرة لذيذة في لقمتين سائغتين، سؤالا بريئا ساذجا : هل ستنجب مأساة الروهانجيا عبقريا يضاهيه؟
لا شك عندي وبلا تردد أو إحجام أقول : بأنه رائد أدب المقاومة الفلسطينية، وأدبه مشروع كامل عن القضية، فهو يعبر عن إحساس المضطهد، ويبث مشاعر الحانق على الاحتلال، بإمكاننا القول بأنه يمثل صوت الشعب المكتوم على نفسه، وكتيبة وحده، تعمل.. وتدافع.. وتضحي.
وإذ نقرأ أدبه فلا نبحث في كل كتاباته اللغة العالية والديباجة المرصعة، فالقضايا الإنسانية التي يعالجها أكبر من اللغات، وأعمق من المفردات والكلمات، لذلك تتفاوت رواياته وقصصه من حيث الشكل والمضمون، صعودا ونزولا، وإن شئنا سبر أغوار حواراتها وقوتها اللغوية، سنجد أنه يستخدم مفردات وألفاظ خاصة به - إن جاز التعبير - ولا أستطيع الجزم بجدة تشبيهاته ومجازاته وابتكارها ولكنها تبقى كذلك عندي فلم تمر علي مثلها لدى من قرأت لهم من المعاصرين، ولا تنفك تعجب من صوره التي يرسمها بريشته بمهارة فائقة، كانت طبيعة أو شخصا من شخوصه.
فنصادف تلك الحوارات مثلا في "الأعمى والأطرش" عندما ذهبا إلى قبر الولي وأصيبا بخيبة أمل، دار حديث نفسي في خلد الأعمى، تجلت فيه الحقيقة الغائبة عنه، فكانت العودة إلى ذاته، واطراح الأوهام التي لا جذر لها.
إلا أن الرواية لم تكتمل؛ لأن سهام الغدر قد عاجلته قبل أن يفرغ منها.
غسان يحكم نسيج قصصه، بارع في تكثيف المعاني، ويطلق أسئلة كقنبلة ليلية لا تنطفئ وهجها كما في "ورقة من غزة"، وهو لا يكتب للتسلية والمتعة فقط، إنما يسطر قضيته - دون الإخلال بالفن - حتى يصل صداها إلى من لا يسمع ولا يريد السماع، ويستبصر مآلاتها كمن يقتفي آثار أقدام كي ينبه ويحذر لاحقيه.
وكل رواية أو قصة تمثل موضوعا ما أو إشكالا يعاني منه الفرد الفلسطيني، على أية حال هذا ما يلوح بُعيد نظرة فاحصة لأعماله بشكل عام.
"أرض البرتقال الحزين" (قصص قصيرة)
- قصة بعنوان (أبعد من الحدود): هنا يفجر كل سخط الفلسطينيين إزاء تعامل العالم حيالهم، وكيف أن قضيتهم أضحت شعارا للسياسيين، وبضاعة لدى التجار، وقيمة زعامية للزعماء، ويصب جام غضبهم تجاه القياديين الذين أوردوا الشعب إلى المهالك، الذي كان ضحية من قبل جميع الأطراف، ثم إذا ما مات أحد أبطاله، لا يجد من يحتفي به ومن يؤبنه، بل يقذف به إلى حاوية النسيان في صمت مقيت ..
- قصة بعنوان (ورقة من غزة): قصة ذات دلالة عميقة، تركت في نفسي أثرا غامضا، وبثقت في ذهني أسئلة محيرة، ولأكون صريحا فإني لم أدرك البعد الذي رمى إليه الكاتب في هذه السطور بدقة.
أكان يقصد ببتر ساق نادية الطفلة الجميلة، انفراط عقد فلسطين وضياعها؟ والحزن على ساقها المبتورة هو ذات الحزن والأسى على فلسطين نفسها؟
ما الذي جعل الفتى أن لا يغادر غزة، بحثا عن ملاذ، وتأمينا لحياة مادية، عزم عليها وعاهد بها صديقه مصطفى في صغرهما؟ ما الذي تغير فجأة؟ ربما حادثة نادية الفظيعة، أرجعته إلى حقيقة ذاته، وتلك الآمال التي رعاها وسقاها أمدا طويلا، ما هي إلا زيف وحالة هروب من واقع يائس بئيس، ذبلت إثر نظرة الصغيرة الملتاعة، وتلاشت كما يتلاشى ضوء النهار إذا أقبل الليل.
"ما تبقى لكم" (رواية)
أكثر ما أمتعني فيها لغتها الجميلة، والكاتب كان فنانا في رسم اللوحات الطبيعية، وبارعا في تصوير شخوصه.
"رجال في الشمس" (رواية رمزية)
رحلة التيه والتشرد والبحث عن لقمة العيش، نجد لها تجسيدا مقاربا في مسلسل التغريبة الفلسطينية، لكاتبه الدكتور وليد سيف، والذي أخرجه حاتم علي، في رحلة مسعود وعائد وسعيد إلى الكويت، حتى تحسب أنه مقتبس من هذه الرواية مع تغيير طفيف في التفاصيل ولكن الفكرة هي ذاتها.
"أم سعد" (رواية)
لا تختصر الأعمال الأدبية في سطور مهما شُرحت وبُسط فيها القول، ولكن فكرتها في قول أبي سعد: هذه المرأة تلد الأولاد فيصيروا فدائيين، هي تخلف وفلسطين تأخذ.
"عائد إلى حيفا" (رواية)
قضية معقدة من قضايا المنفيين من أوطانهم، الحنين إلى الوطن، ومفهوم العودة إليه. ها هنا تتبع جيد للخلجات النفسية التي تصاحب المنفي، ودبيبها على عقله وفكره.
"جسر إلى الأبد" (مسرحية)
النصوص التي تلامسني - شعرا أو نثرا - وتداني ذاتي من قريب أو بعيد، تظل ملحة وتطرق خيالي وإحساسي في كل آن، شعرت بها أو لم أشعر. وهذا عين ما حدث لي معها.
"القبعة والنبي" (مسرحية)
رمزيتها مفرطة فما وعيت شيئا، ولا راقت لي.
"عن الرجال والبنادق" (قصص قصيرة)
كلها تجسيد للنضال المسلح، وهي جيدة وإن لم تبلغ ذروتها، إلا في قصة أو قصتين.
"موت سرير رقم ١٢" (قصص قصيرة)
هذه بواكير أعمال غسان القصصية، شقت طريقها إلى نفسي دون مقدمات وتقريظات، عبر "شيء لا يذهب" و "كعك على الرصيف" و "في جنازتي" و "موت سرير رقم ١٢" و "العطش" و "أكتاف
الآخرين" و "ستة نسور وطفل".
وهو الذي يقول في مقدمته التي ما كانت لتكتب لولا أنه أراد منها شيئا ذكره فيها:"أنا أؤمن أن الكتاب يجب أن يقدم نفسه، وإذا عجز عن إحراز جزء من طموح كاتبه، فعلى الكاتب أن يقبل ذلك ببساطة، كما قبل - مرات ومرات - أن يمزق قصصا ليعيد كتابتها .. أو يكتب سواها".
- قصة بعنوان (العطش): كيف تأتى له من خلال حدث بسيط صغير أو هكذا نظن أن يغور في أعماق ذات الإنسان فيستنطقها؟ أشعر بالرعب عندما أُواجه بأسئلة صادمة دامغة كالتي في قصتنا، إذ إنها تبهت وترعش كمن صبت على رأسه ماء بارد في ليلة ظلماء باردة، فالكاتب ينقب فيها البواعث ويفتش الدوافع، لنراها ملقاة مكشوفة لأعيننا وضمائرنا، فنجد لذلك الكشف صدى عميقا في نفوسنا، قد نحتقرها من جرائه ونشعر بنفور صارخ منها لِما نتبين فيها من ضعف واضطراب وتناقض، لنردد ونقول: "ما أشقى الإنسان!".
"عالم ليس لنا" (قصص قصيرة)
الأدب هو الحياة، والقصص الواقعية المعاشة لابد أن تكون جزءً من الحياة، وكل حدث لحظة من الزمان.
هنا الإنسان في أبسط صوره، تتنازعه شتى الرغبات، وتصارعه مختلف النزعات، نراه هنا بوضوح وشفافية أكثر مما نراه في لحظاتنا العابرة وفي لقاءاتنا وجلسات سمرنا، كأنه صورة فوتوغرافية التقطها فنان محترف أو تمثال صنعه نحات ماهر، ها هنا جوهر الفن، إذن الأدب من الفنون، والأديب فنان.
قد لا تكون القراءة المفردة لعمل ما من أعمال غسان كاشفة عن موهبته الفذة؛ للتفاوت بين عمل وآخر، ولكن قد تتجنى طريقة وضع الأعمال كلها في حيز واحد، دعني أقول في (سلة واحدة)، بأن تختفي القيمة الفنية لكل عمل في خضم العناية بالفكرة والقضية، ولا أظن سيرضى بذلك الأدب.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها والصفحة لا تتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات