الأربعاء، 18 يوليو 2018

على جبيني قُبلة .. عمرها ٢٥ سنة!

على جبيني قُبلة .. عمرها ٢٥ سنة!



إبراهيم حافظ - مكة المكرمة
1439.07.17هـ

ذات أصيل خميسي في سني مراهقتي المبكرة خرجت في رحلة برية إلى منى أو مزدلفة مع زملاء التحفيظ.. كانت الفضاءات المفتوحة للمشاعر المقدسة: منى ومزدلفة وعرفات؛ تحتضن طفولتنا ورحلاتنا الترفيهية البسيطة التي لم تكن تكلف مبالغ وجهودا كبيرة في تلك الأيام: ترمس للماء وآخر لعصير التوت وبعض التسالي وذبيحة وفرشات للجلوس عليها، وتغدو رحلة مثالية لا تضاهى .. ما كنا نحلم يومها باستئجار استراحات مريحة، توفر مسابح معقمة وملاعب مزروعة وحجرات مكيفة .. تقاسمنا إلى فريقين يتباريان بالكرة .. سجلت الهدف الأول لفريقي .. وفيما كنت أهاجم بحماس لتسجيل الثاني تهجّم علي زميل من فريق الخصم بكل قوته وطرحني أرضا .. ألغى خطورتي على مرمى فريقه تماما .. أصابني بكسر في رجلي اليمنى قطعني عن المدرسة والتحفيظ مدة شهرين تقريبا ..

بيئة صحراوية
ليلتها أخذوني إلى مستشفى النور بعد ما زاد الكسر كسورا بسبب التمريخ بالزيت فوقه بيد امرأة تمارس التدليك الزيتي في بيتها .. لا تسل عن حجم الألم الذي أحسست به والهول الذي استشعرته وهي تتعلم حرفتها على رجلي المكسورة .. قرر الأطباء في المستشفى بعد رؤية الصور الإشعاعية تجبير رجلي وإقامتي في المستشفى مدة أسبوع على الأقل .. جاءني أخي الأكبر يودعني .. ربما لم يرق له أن يترك صبيا وحده في المستشفى بلا مرافق .. أخرج لي من جيبه مبلغا وطبع على جبيني قبلة صامتة ما ذقت مثلها حتى من أمي ليلتئذ !

نشأت في بيئة صحراوية جافة تبخل بالقبل على الأطفال تقريبا .. لا توزعها ذات اليمين وذات الشمال كما نفعل اليوم نحن مع أطفالنا .. لم يكونوا  يومئذ على وعي تربوي بحاجة الأطفال الدائمة إلى تلقي جرعات من العواطف بشكل حسي مباشر .. كان الأمر كذلك في عائلتي على الأقل، وربما كانت هناك عوائل أخرى تتمتع عاطفيا ببيئات ربيعية ماطرة!

أجيال بلا قُبل !
سألت أمي ذات مرة في بواكير سنيّ الشباب:
- لماذا لا تقبلين أحدا أبدا؟
أجابتني بهدوء بعد لحظة صمت:
- لم أتعود ..
ثم أضافت وهي تذهب بعينيها بعيدا كمن يتخيل:
- أمي لم تقبلني !
قلت لنفسي: هل أجد الإجابة نفسها عند أمها لو سألتها السؤال نفسه؟
قد أصادف هنا من بين القراء من يرميني بالجحود والنكران لحق أمي؛ لأني قلت: إنها لم تكن تقبلني؛ ولكن لحظة عزيزي القارئ! هل قلت: إنها لم تكن تحبنا؟ لماذا يصر بعض القراء على فهم معان لا يقصدها الكتّاب ولا تخطر في بالهم؟ لطالما عانيت من قبل من تأويلات لما أكتبه ومعان يصل إليها القراء بذكائهم لم ترد في ذهني ألبتة !

قبلات عسكري !
لا أنسى صورة جميلة ومثالية للأبوة الحانية علقت بذهني منذ السنة الأولى من حياتي المدرسية، ومازالت تراودني بين الحين والآخر: صورة طفل سعيد يخرج طائرا من بوابة المدرسة في نهاية اليوم الدراسي؛ ليرمي نفسه بين ذراعي أبيه الذي يستقبله بقبلات حانية وهو يرتدي الزي العسكري!
كان حلم طفولتي أن أكون عسكريا في المستقبل؛ وإذن فأي أبوة مثالية في نظري حظي بها ذلك الطفل الذي كان ينعم بقبلات حانية من أبيه العسكري؟

طبع أخي على صفحة جبيني قبلته الدافئة ومضى، ومازلت أجد حلاوتها على جبيني بعد ربع قرن من الزمان مضى عليّ أو أكثر .. لم أنسها له .. لم أستطع .. كأنما طبعها على صفحة الذاكرة بمداد من الحنان الأخوي الصادق الذي لا يقبل التقادم والبِلى رغم مرور الأيام والسنين ..

صمود قُبلة !
هل آن لذلك الصبي المصاب بكسر في رجله أن يشكر اليوم صاحب القبلة من وراء خمس وعشرين سنة؟
ربما مات خلال هذه السنين الكثير من المواقف والذكريات والأحاسيس والمشاعر السارة والمؤلمة؛ ولكن القبلة الصادقة وحدها صمدت وعاشت من بينها ، تريد اليوم أن تؤدي حق الشكر والعرفان لمن أهداها في وقت الحاجة إليها: أخي الأكبر الداعية الموفق محمد هارون؛ صاحب القلب الحنون!

شكرا لك ، وقبلة امتنان على رأسك!
.. من ذلك الصبي الراقد على سريره بمستشفى النور في مكة قبل خمس وعشرين سنة!

ومضة
ترى كم من القبل الحانيات احتاجها أطفال محرومون من حولنا لم نفطن إلى حاجتهم إليها، فحرمنا أنفسنا من بركاتها قبل أن نحرمهم من حقهم فيها؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها والصفحة لا تتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات