ألا ليت العمر كله رمضان
سامر المزي - مكة المكرمة
1439.09.01هـ
أقبل علينا ضيف عزيز وغالي، ضيف طالما انتظرناه منذ أشهر، فوجب علينا استقباله بكل حب وامتنان، ونحييه بعاطر التحايا والأشواق، له مكانة عالية في نفوسنا، وفِي حنايا الفؤاد منزلة كريمة، إنه رمضان شهر تزين بكل ما فيه، وبدر تلألأ في سماء السنة كلها، إنه درة من درر أولئك الخاشعين المتذللين، ومعراج تلك الفئة التي عرفت بالتالين، وحبيب الراكعين الساجدين، وأنيس الليل للذاكرين القائمين، وفرصة للمذنبين والتائبين، إنه جوهر من ياقوت، واغتنامه لازم قبل الموت، له تحن القلوب، وإليه تشتاق النفوس، هو صاحب ذلك النداء العظيم:( يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر )، إنه حبيب المتقين، وعشيق المنيبين، نعم هو ضيف أتى، وحل بدارنا بفضل من الباري، فوجب علينا أداء الواجبات، واجتناب المحرمات، لكن هناك ثمة أمور حيرتني وأحزنتني، وهناك أسئلة تدور في مخيلتي في كل حين، هل أمرنا الله بطاعته في رمضان فقط ..؟
أين نحن من طاعة الله قبل رمضان ..؟
وأين نحن من التقرب لله بعد رمضان ..؟
هل نحن عاجزون عن فعل ما نفعله في رمضان ..؟
أليس أساسا خلقنا لنعبد الله ..؟، قال تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [الذاريات: 56] فبعد أن نزل علينا هذا الضيف الكريم، وهو بلا شك ضيف عزيز وله مكانة عظمى عن باقي ضيوف السنة، لكن علمنا واكتشفنا أنه بإمكاننا فعل الطاعات وترك المنكرات عند عدم وجوده، فالعبادة ليست محصورة في رمضان فقط، بل واجبة علينا في كل حين، فنحن نستطيع صيام شهر كامل من دون عذر ومن دون انقطاع، لكن ألا نستطيع صيام الاثنين والخميس ..؟
فالصوم ليس بتلك الصعوبة التي كنّا نتوقعها، وليس بذلك العجز الذي كنّا نتصوره في أذهاننا، وأيضا نستطيع قيام ليالي رمضان والركوع لله إحدى عشرة ركعة، أفلا نستطيع قيام ركعة واحدة ..؟
هي لا تستغرق منا نصف ساعة، ولا يذهب منا جهد كما في رمضان، كما أن رمضان قد أوضح لنا أن الختمة الواحدة للقرآن ليست من المعجزات، فنحن نختم في رمضان كل أسبوع ختمة واحدة على أقل تقدير، أفلا نستطيع قراءة صفحات عديدة ويسيرة وختمه مرة واحدة في الشهر ..؟
بإمكاننا ذلك، لكن الشيطان أوهم علينا، وأقفل علينا باب الخير، فالأعمال شاملة للسنة كلها وليست مخصوصة في رمضان فقط، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. كم من أهداف أهملناها، وكم من مشاريع خسرناها، وكل ذلك لأننا مقتنعين أننا لا نستطيع فعل شيء، وفِي الأصل خلقنا لنعبد الله ونحن نستطيع ذلك، وأخرجنا الله من بُطُون أمهاتنا لنتعلم وننجح، وأكبر الأدلة على ذلك: ( أننا كلفنا بعمارة الجنة )، فالجنة أكبر نجاح وأعظم فلاح، فلنستثمر رمضان بكل فرصه، فهو دورة تدريبية لنمتلك درسا رئيسيا ( أننا نستطيع ) سواء قبل رمضان أو بعده ..
فعلينا تجديد الحياة بـ( نستطيع )، وأن يكون لنا أمل بأننا سوف ( ننجح )، ولا بد لنا أن نشمر سواعدنا للجنة، وليس لرمضان فقط.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها والصفحة لا تتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات