محال!
1439.03.11هـ
شاب في مطلع العمر في العقد الثامن عشرة من عمره، خرج من مدرسته بعجالة من أمره وركب إحدى سيارات (الأجرة) منطلقًا إلى عمله، أدخل يده في جيب ثوبه ليدفع أجرة السائق فالتقطت اليد (إحدى عشرة ريالا) وهو ما تبقى معه، اندلق على المسكين كيس ذائب بأوهام وخيبات أمل، فبدأ يقول في نفسه يا لله كيف لي العودة من تلك المسافة الطويلة؟
٧٥٥ كلم ليست بالمسافة القصيرة وكيف أصل إلى عملي؟
فاحتارت أفكاره إلى أن وصل إلى مكان قريب من عمله، ويبعد عن مكان نزوله (٣ كلم) وهي أيضا ليست بالمسافة القليلة، فلا حل أمامه غير أن يمشي في الظهيرة تحت حر عصيب من أيام الصيف الحارة.
فالغريب عجز عن الكلام فلا خل ولا صاحب له وبدأ يمشي على عجاله ليصل مكان عمله في الوقت المناسب وما بقي على بداية العمل سوى (٤٥ دقيقة)، تتسارع خطواته ويتمتم بدعوات خافته (صبرك يا إلهي، عونك يا معيني) أرهقته المسافة الطويلة والسير تحت الشمس الحارقة بإحمرار وجنتيه وتصبب عرق جبينه، كاد الظمأ يهلكه فعطشان نطشان وهو يرى مركبات نقل المياة متوقفة متراصة، وقطرات جارية تمنى أن يحق له الشرب (أن يشرب من الماء الذي أمامه) ويستحيل ذلك فما هي سوى صور على الألواح، ونظر يمينه فإذا المحلات مقفله للصلاة والمسجد يبعد أميال، وبدأ يمتص لسانه ليبتل عروقه مخافة سقوطه على الأرض من عطشه، ولم يزل يتباطأ المشي دون توقف حتى وصل إلى مبتغاه.
فدخل وتوضأ وقام وكبر وحمد وهلل وسبح، وأخذ كأسًا من زجاج يشرب ويبتل عرقٌ تلو الآخر، وحمد ربه أن نجاه من الهوان والغرق في عالم الخيبة دون أمن واطمئنان، وثم بعد ذلك لجى بنفسه إلى بلية أخرى وهو قعوده على العمل أمد طويل بلا رشفة ماء ولا ريح طعام، خرج من مدرسته متسرعًا فلم يستنهز فرصة ليغذّي نفسه بشئ من مأكل أو مشرب، وظل قعودًا ينتظر زملاء عمل، فلا فطور فطر به ولا غداء استلذ بشهيته، فخرج بعد انتهاء وقت عمله، مبتسما ابتسامة صفراء يسلي نفسه بقصص العظماء، فما أصبحوا ووصلوا إلى ما وصلوا إليه بعد كد وعناء، وصبر وحزم وجزم وعرفوا أن في الحياة مشقة، خرج من المكان وقبل الخرج تسلف (خمسون ريالا) من أحد الزملاء مكره الطلب ملام النفس معاتباً، وما أعظم عتاب النفس وأشدّ لأن العتاب لا يأتي إلا بمحبة صادقة، أحب نفسه فأحسن عتابها كي لايضيع ماله مرة أخرى.
يظن الكثير بأن المصرع بينه وبين نفسه قد انتهى، والذي قلت هو عن يوم واحد فقط! وهل انتهى الحديث أو ينتهي يا ترى؟ كلا... ليته كذلك
محال أن يعيش شخص على تعامل وقح كهذا !
نعم محال أن يعيش فهناك أسوأ ما يتعامل سوى أن أعطي له اسم (عامل) فارفقوا بهم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها والصفحة لا تتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات