الجمعة، 2 فبراير 2018

اصبروا وصابروا

اصبروا وصابروا



سامر المزي - مكة المكرمة
1439.05.04هـ

قد ابتلي الأنبياء بكل أنواع الابتلاءات، فتحملوا فيها أقوى المحن وصبروا في أصعب أوقات الشدائد، وتجرعوا شتى أصناف البلاء، حتى إنهم خلال لحظات الرمق الأخير من حياتهم أعلنوا ختام أيامهم مع سنة البلاء. قال ابن القيم في الفوائد: "الطريق طريقٌ تعِب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورُمي في النار الخليل، وأُضْجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع سنين، ونُشر بالمنشار زكريا، وذُبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضرَّ أيوب...، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد - صلى الله عليه وسلم -". انتهى

فالبلاء سنة كونية فوقوعه على الخلق امتحانًا لهم من الخالق، وتمحيصًا لذنوبهم والتمييز بين مؤمنهم وكافرهم، قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ..}، [البقرة: 155] وقال النبي - ﷺ -: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط)، وهذه الدنيا دار بلاء وعناء ولذاتها مشوبة بالانتهاء، قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ..}، [النساء: 104] ليسعد تارة ويحزن أخرى، ويعتز حينا ويذل حينا آخر..، وأكمل البشر إيمانًا هم أشدهم ابتلاء، فيختبرهم الله على صدق إيمانهم وقوته، ويرزقهم بشتى أنواع الإبتلاءات، قال - ﷺ -: (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل... )، فإن من ابتلي بشيء ورجع إلى المولى والتجأ إليه قد يدفعه إذا كان أقوى منه، فإن كان سبب البلاء أقوى لم يدفعه لكن يخففه ويضعفه، وهذا هو الامتحان وهذا هو المقصد من الابتلاء، فإلى من يرجع المبتلى وقت نزول المحنة ..؟

هل إلى بشر لا يستطيعون دفع ابتلاءهم عن أنفسهم؟

أم إلى القوي العزيز الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ..؟

ماذا عساه أن يكون سبب حزنك حين نزول البلاء ..؟

إن كان مرضًا فهو خير، وخاتمته شفاء، قال تعالى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}، [الشعراء: 78] وإن كان ذنبا أو خطيئة، فخذ هذا النداء من الذي هو أرحم بك من نفسك: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا...}، [الزمر: 53] فأيا كان البلاء وأيا كان ذلك الامتحان فمضمونه يرجع من خير إلى خير.

يا من تملّك الحزن قلبه وكتم الهم والغم نفسه وضيَّقَ عليه صدره، فتكدرت به الأحوال وأظلمت عليه الآمال، لا تعكر صفو عيشك ولا تكدر مزاجك، فالبلوى تمحيص والنازلة امتحان، فالماضي عدم ومستحيل والمستقبل غيب والحاضر قد حان، فلا تحطم فؤادك بأحزان مضت ولا تتشاءم بأفكار قد وقعت، وعش حياتك لحظة بلحظة، وتجاهل الماضي وارمِ ما حل به في طريق النسيان، وامسح من ذكرياتك الهموم والأحزان، ثم خطط لما ستلقاه في الغد وتفاءل بمستقبلك وتجاهل ما يخبئه الحزن لك.  حينها ستنجلي الظلمة وتذهب الغمة وتعود البسمة، فافرش لها فراش الصبر، وألبسها معطف الدعاء والذكر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها والصفحة لا تتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات