المُلهم والمُستلهم
عبدالرحيم رشيد - مكة المكرمة
1439.05.27هـ
خلف كل جمال يختبئ ملهمٌ عظيم، لا حظّ له من الإطراء، ولا تبلغه المدائح.
هناك قصائد فائقة السبك، مخمليّة الحرف، تأسرنا بعذوبتها على مر السنين، نقرأها فنُغدق الشاعر بوابل من الثناء، ونعلّق على جِيده نفائس القلائد، وفي الوقت نفسه؛ نُهمل من رافقه في مسودته، ربما غادة هيفاء، أو روضة غنّاء، أو جرح سال منه الدم والعطر معاً.
وأمام لوحات فنانٍ أنيق تقف مبهوراً، تحلل تفاصيلها، وتمايز ألوانها، وتستخرج مدلولاتها، وربما طرتَ عالياً مع سِرب المعجبين، وكِلْت له وزنَ ذهبٍ مديحا، لكن؛ لو عدتَ إلى الوراء، إلى زمن المخاض، عند ولادة هذا الإبداع، تجد معه رفيقاً آخر، اقتبس جذوة من ناره المتأججة، أو استقى فكرة من بئره العذب، أو ارتعى في كلئه الخصب، فكان معينا في تخليد الجمال.
هذا الرفيق الملهم الذي أتحدث عنه ليس بالضرورة أن يكون شخصاً؛ فالحزن إلهام، والفرح إلهام، والفقد إلهام، والوحدة إلهام، والطبيعة إلهام، والقراءة إلهام، والتأمل إلهام، والتاريخ إلهام، والحيرة إلهام ... ولا إحصاء للملهمين، كما أنه لا نصيب لهم في النقش والتدوين.
لعل مقام الملهم مقدس، لا يدنس نفسه بالهبوط إلى حفنة من الأوراق تعتريها عوامل البِلى، وتتعرض لزوابع الرياح!
الإلهام مثل وميض البرق، لا تدركه كل عين، وكل عين أدركته لا تشبع منه، بينما الإبداع المتولد منه كالمطر، يحس به القاصي والداني، يعيشه الحاضر والباد، يحتفي به الصغير والكبير، لكن سبق المطر برقٌ غطى الأفق بسناه، لم يلحظه إلا القليل.
إن يومياتنا مليئة بالإشراقات الملهمة، تمد إلينا يدها، تتسلل من نوافذنا، تريد من أحد أن يتتبعها، ويجعل من الثقب الصغير بابا عملاقا، ومن الشرارة ناراً عظيمة.
لا جدوى من الإلهام إن قلّ المستلهمون، ولا استلهام بلا إعمال العقل، يروى عن الفاروق: "من لم ينفعه ظنه (=حدسه)، لم تنفعه عينه"، وكأني بالعقل يركل من يحمله عبثاً؛ وحبسه في قفص الجمود والخمول، وقصّ عنه أجنحة التأمل، وأعاقه عن اقتفاء غذائه في الغدو والرواح.
حين برّأ الله الخلق، ميّز ابن آدم بالعقل، ووهبه مادة عزيزة، بها يسمو في فضاءات التألق، ويمتطي جواد الرقي، فإن أهملها؛ فماذا يكون؟!
وصلت للنهاية، ولم أذكر من ألهمني هذه السطور. ألم أقل بأن الملهمين لا نصيب لهم من الإطراء والتدوين؟!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها والصفحة لا تتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات