السبت، 31 مارس 2018

مجمّع التّيه - قصة قصيرة

مجمّع التّيه - قصة قصيرة



عبد الرحيم رشيد - مكة المكرمة
1439.06.00هـ

في ساعة متأخرة من الليل؛ عاد منهوكاً خائر القوى من مقر عمله، وما إن دلف البيت حتى فغر فاه، وملأه تعجباً وذهولا!

ليس هذا بيته الذي خلّفه بالغداة عندما سار إلى العمل؛ فلا الأثاث في مكانه، ولا عهد له بمحتوياته.  لون الجدار استحال إلى زرقة قاتمة بعد أن تركه خضراء زاهية، وحوض السمك الذي اشتراه في عطلة نهاية الأسبوع لم يعد له وجود، والسجادة تقلص حجمها، وتغيّر نقشها.  كل ما في البيت تغيّر فجأة، وكأنه أمام ساحر خداع على خشبة المسرح، استبدل رداءه بأخرى في غمضة عين!

نفض نفسه ليزيل الدهشة، واتسعت حدقة عينيه وهو يعاين الموقف.  تقدم خطوتين على وجل، تذكر زوجته الحسناء؛ لم تهرول إليه كي تستقبله بالبسمة مثل كل مساء، وطفليه الشقيين؛ لا همس لهما ولا شغب كالمعتاد، توجس خيفة في نفسه، وبدأت أنفاسه تتصاعد، وخطى رجليه تتسارع، أطلق نظراته الحائرة في أرجاء البيت وزواياه بحثاً عن حل لهذا اللغز المحيّر!

لم تقطع عليه دهشته إلا عصا مكنسة هبطت إليه من الدور العلوي كسهم نافذ استقرت وسط جمجمته، تحسس رأسه بعجل، كاد الدم أن يسيل!  توارى خلف المنضدة اتقاءَ أسلحةٍ أخرى قد تدكّ كيانه، وتصرعه. 

- من؟ من أنت؟ ماذا تفعل في بيتي؟
أسئلة متسارعة أطلقها برعب وغيظٍ معاً.

- عد أدراجك أيها اللص، فقد انكشفت! 
كان ردا صاعقاً أتاه من ربّة المنزل، فقد تبين أنه دخل في بيت غير بيته، تشابهت عليه بيوت المجمّع الجديد، الذي يتميز بالتناظر والتشابه في فلله وشوراعه ومنعطفاته. سارع إلى الخروج، وأطلق ساقيه للريح، تاركاً خلفه أكواما من الخجل والابتسامات الغبية.

في نهاية الأسبوع زارهم برفقة زوجته وأولاده، مبدياً اعتذاره على تلك الحادثة، وقد التقى بجاره الذي علم من زوجته القصة، حيث عاد من سفر.

نعم، كسب جاراً جديدا، لكنه كسب أيضاً ارتجاجاً جزئيا في رأسه، فقد كانت رمية العصا متقنة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها والصفحة لا تتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات