البناء الشامخ
سامر المزي - مكة المكرمة
1439.06.00هـ
أثناء تواجدي بين جنبات الحرم المكي، وفِي ساحاته المليئة بمن أتوا من كل فج، وبين هذا الكم الهائل من الزوار والمعتمرين، لفت انتباهي ولمحت عينيّ منظراً عجيباً، وصورة في غاية الجمال، قد تضرب لها الأمثال والحكم، وقد تروى لها القصص والروايات، وهذا المنظر العجيب قد يكتبه الخيال قبل الأصابع، وتخطه الأقلام بأجمل الخطوط، وهي أسرة مكونة من أربعة أفراد، أب وأم وابنان تقارب أعمارهما العشر سنوات، فقد حمل كل منهم كتاب الله، ويقرأ ما بين دفتي هذا الكتاب العظيم، ويتأملون ما فيه من عبر ومواعظ، لكن ليس لهذا تعجبت ..!
بل هل تعلمون لماذا أصابتني تلك الدهشة ..؟!
رأيت الزوجة تستمع لذلك الصوت الرنان، تستمع لنبع فؤادها والد أبناءها، نعم ..! الزوج يرتل والزوجة تستمع لما يقرأ، ما أعظم تلك العيشة، وما أجمل تلك الاسرة وهي تبني جدرانها بطاعة الله وتطليها بذكر الله، لم أستغرب من أولئك الأطفال لأني علمت الأصل بماذا بني فلا حاجة لمعرفة الفرع.
الزواج نعمة من الله لعباده، ويدخل الإنسان الى عالم مليء بالأفراح والأتراح، وبين طياته الحب والإخلاص، ويمتاز بالألفة والقرب، والأجمل من هذا كله حينما يكون هذا العالم في طاعة رب العباد، وفِي اقتداء خير العباد، فقد قال الله سبحانه في كتابه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً .. } [الروم: 21] فهذه آية من آيات الله، فكونوا أنتم آية لأهل بيتكم بأخلاقكم الرفيعة، ومحبتكم ومودتكم لهم .
بيت النبوة القائم على دعائم من المحبة والألفة والرحمة والمودة، هو من أهّل لنشر الإسلام واتسعت تلك الدائرة حتى عم الإسلام أرجاء الأرض، من زمنه ﷺ الى زمننا هذا والإسلام ينتشر يوما بعد يوم بشكل أوسع، وكل هذا كان بفضل ذلك البيت العامر بذكر الله والخشية من الله، مع ما كان عندهم من ظروف صعبة وفقر يسود تلك الأيام، لكن تكوين مجتمع صالح ليس له علاقة بالفقر والغنى، ولا الظروف الصعبة والسهلة، بل الطريق الوحيد هو اتباع تعاليم الإسلام والسير على نهج النبي ﷺ .
فالأسرة هي بداية السلم في إصلاح الأمة، واللبنة الأولى في صرح البناء الشامخ، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وأهليكم نارا ..} [التحريم: 6]، فما عليك إلا غرس الهداية في نفوس الأبناء، وأما هداية التوفيق من عند الله، ولو كانت هداية التوفيق بيدنا لاستطاع إبراهيم -عليه السلام- أن يهدي أباه، وتمكن النبي ﷺ من هداية عمه، ونوح -عليه السلام- من ابنه، ولوط -عليه السلام- من زوجته.
فما عليك إلا أن تغرس الأخلاق في نفوس الأبناء، وتعليم الدين الحنيف والطريق القويم، والتضرع إلى الله أن يرزقكم الذرية الصالحة حتى تكونا من عباد الرحمن الذين قال عنهم سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74].

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها والصفحة لا تتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات