السبت، 5 مايو 2018

كلنا إلى ذلك الكفن الأبيض

كلنا إلى ذلك الكفن الأبيض



سامر المزي - مكة المكرمة
1439/07/00هـ



في إحدى الليالي العاتمة، كنت أتصفح الشبكة العكنبوتية، فمر عليّ مقطع من المقاطع اليوتيوبية، الذي عرفت من عنوانه مايقصده في داخله، فهو يحث على المسامحة والتذكير بأن الموت يأتي كلمح البصر، وأساساً كان بالي مشغولاً بأمر حصل بيني وبين أحد الزملاء، فكانت هذه الصدفة وهذا المقطع الذي لا يتجاوز الدقيقة، ولكن هذه الدقيقة أخرجت الكثير من داخلي، وجعلتني أتخيل أموراً لا عقبى لها، وعرفت أن هذه الدنيا لا تساوي شيئاً، ولا تستحق سوى ما كان خيراً، فهي فانية مهما كانت الظروف، اليوم نحن نرحل، وغداً أنتم سترحلون، ولا يبقى سوى أعمالنا الخيرية التي تشفع لنا عند الله، وتشهد أمام الله.

في هذه الدنيا قد نختلف مع البعض، ونتخاصم مع البعض، ولكن لا نصل لحد الفراق والابتعاد، فالمخاصمة أمرها هين، لكن أن تطلب المسامحة منهم فهو من أصعب الحلول في هذه الحياة.

فعش على هذه البسيطة بسيطاً، وسامح واعف عن سيئاتهم، وكن ذَا جرأة وصراحة واضحة، ودائم التغافل والتغابي عن أكثر الأشياء فإن ذلك من أذكى الأمور، وتجاهل كي تُحِب وتُحَب، اقتنص فرصة الأيام التي لا تعود، من أجل أن تعبر مافي داخلك من مشاعر وأحاسيس، لأولئك الذين قد تنتهي بهم محطات حياتهم يوماً ما، نعم ! نقول دائماً نتصالح اليوم وغداً وبعد غد، ولكن اعلم يا سيدي العزيز ! فوالله لا تنفع قبلة اعتذار على قبعة ميت، ولا ينفع الندم بعد الفوات، ولا ينفع البكاء على القبر وطلب السماح، فقد فات كل شيء، وذهب بحسناته وسيئاته، وترك لك الذكريات، فهذه الدنيا أحقر من أن تكون سبباً للنزاع، وأشد دناءةً من أن يكون هناك فراق وابتعاد لأسباب لا عقبى لها، فهي لا تساوي عند الله جناح بعوضة.


لا جرم أن الرسول عليه الصلاة والسلام بيّن أن أعمال المتخاصمين لا ترفع عند الله حتى يصطلحا، قال أبو هريرة رضي الله عنه: (تعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين، فيغفر الله عز وجل في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا؛ إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: اركوا هذين حتى يصطلحا، اركوا هذين حتى يصطلحا)، فتذكر أن هذا آخر تاريخ رفع فيه أجر صلاتك، وآخر عمل قد أخذت فيه أجرا.

نعم ! كنّا نضحك ونبتسم، ونغضب ونحزن، ولكن كل ذلك يذهب في عالم النسيان، وفِي عالم لا نستطيع أن نلتقي فيه، ولا نستطيع حتى رؤية تلك الابتسامة في وجوه بعضنا، لأن كل شيء ذهب، ولا نعلم هل نلتقي مرةً أخرى أم لا ..؟!

تمسكوا بمن تحبون، وسامحوهم حتى لو كانوا مخطئين، فنظرة إلى عزيز مكفن بالكفن الأبيض قد تكون نظرة حسرة وندم، فالموت يأتي بغتة ويأخذ كل شيء، وترحل كل لحظة جميلة كانت، ولا يبقى سوى ندمك طوال حياتك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها والصفحة لا تتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات