السبت، 5 مايو 2018

لحظة صمت

لحظة صمت



فواز عبدالرحمن سعيد - مكة المكرمة
1439/07/28هـ

ترحب بك الدنيا لقدومك إليها،وتبتهج لك ورودها ونسماتها وجمالها ومن فيها من البشر،ويضحك كل من حولك لوجهك البشوش السطوع فرحا ودموعك تتسلل على وجنتيك الناعمتين؛ تكبر مع الحياة وتمر الأيام بين اللعب واللهو من غير أن تشعر بها، ومن ثم تكتشف أن المسؤولية بدأت تتراكم على ظهرك واحدة تلو الأخرى،ولازلت تظن نفسك ذاك الصغير المدلل الذي كانت الدنيا تسعد ببكائك وببعض التصرفات الغريبة والعجيبة النابعة منك، إلى أن تصدم بك الحياة بصدمة تجعلك أن تستيقظ من غفلتك، وإذا بك تكتشف أن ماكنت تريد لحاقها قد فاتت وفات آوانها.

فإذا بك تلملم شتاتك وتحزم أمتعتك لتبدء رحلة جديدة مع الحياة ولتدرك ماتستطيع إدراكها ما بقيت حولك، وتبدء تهتم بأصغر الأشياء وما فيها، وستلجا أن تعرف أدق تفاصيلها، وستعلم أن تلك الإبتسامات التي كنت تراها قبيل نضجك قد أصبحت عديمة اللذة وحقيقة عن غير حقيقتها، وأخيرا ترى بأنك تأخرت كثيرا في إدراك الواقع الذي كنت مستدبرا ظهرك عليها وقضاء حياتك في كوكب الأحلام، فلحظة صمت، وتبدء تتقبل الواقع وتسير على سبيل الحياة كما هو ممهد لك.

تجبرك الظروف أن تتقمص شخصيات كثيرة، فقط لتسعد هذا وترضي هذاك، لتنال ماتريد، وتتساءل مع نفسك، أهذا أنا؟ أم مجرد آلة بشرية متنقلة بين أيدي البشر لأحقق رغباتهم؟ فلحظة صمت وأستمر.

في المدرسة، تمتاز ببهائك وذكائك وبعلمك وإمتيازك عن غيرك، وحينما ترى زميلك في الصف يتفاخر ويغتر بما لديه من عطايا ربه، يسخر من ثوبك المتسخ ومن وحدانيتك الموحشة، وترجع تتساءل مع نفسك،لماذا لا أملك هذا؟ لماذا ينقصني هذا الشيء بالذات؟ وهل ربي لا يحبني فلم أحظى بهذا؟ فلحظة صمت، وأصطبر.

وعلى مر السنين، ستجد أن الثقة لم يعد لها أي أثر، وتبدأ الخداع والخذلان تنتشر، فتستذكر الأيام السعيدة والتعيسة وتقول في نفسك،هي مجرد لحظات و مضت، فلحظة صمت، وعيناك تذرفان دموعا على نكهة دما وتقرر، إما أن ستبقى راكعا منحنيا الرأس إلى أن يقضى أجلك، أو أن تواجه جميع العقبات بنفسك وتمضي رافعا الرأس نحو القمة.

فلاتظن بتاتا أن أحزانك وهمومك ودموعك التي لا تزن صاعا قد تؤثر بالعالم، إنما نهوضك ومواجهتك مع الحقيقة هي من ستحدد لك من أنت، وحينها تجد بأن  عقلك ونفسك قد نضجت بما تكفي، حيث لاتكسرك الخذلان ولا ترعبك الخسران. وتكتشف بأنك قد قويت وتخطيت تلك المرحلة العسيرة التي كادت أن تصيبك الفالج [الشلل]، وعقب ذلك حينما تقف على منصة النجاح، ستأتيك لحظةصمت، فتغمض عينيك وتستذكر كل ماتعبت لأجله وكل ما أجبرت لأجله الإنحناء، والآلام والصرخات التي كانت تضج في داخلك يوما، فتحادث نفسك وإلى تلك الدموع التي تسللت على وجنتيك ذات يوم، التي لم تكن لها أي قيمة آنذاك، وإذا بك تنفجر ضاحكا باكيا فتقول، كل مامضت كانت تفاهة لا أكثر، بل كل ذلك كان طريقا لأن أحقق مطلبي، فلولا تللك العقبات والعثرات لما وصلت هنا، لولا ذلك الصبر على ثوبي المتسخ الجميل لما جازني الله بهذا اليوم.

الذي يقف الآن في هذه المنصة رافعا الرأس وحاملا لهذه القبعة اللامعة بعد توفيق من الله،هذا أنا، نعم هذا أنا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها والصفحة لا تتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات