الأربعاء، 18 يوليو 2018

همسة في أذن أب: ما البديل الذي وفّرته لابنك؟

همسة في أذن أب: ما البديل الذي وفّرته لابنك؟



إبراهيم حافظ - مكة المكرمة
1439.08.23هـ


قال أحدهم خلال جلسة حوارية بين مجموعة من الشباب القراء:
تحوّلت بحمد الله إلى القراءة الإلكترونية عبر الجوال أو الجهاز اللوحي تحولا شبه تام؛ بل صارت تريحني أكثر من قراءة الكتاب الورقي رغم أني نشأت عليه واعتدته منذ ما يقرب من ثلاثين عاما!

رد عليه أحدهم: لا أدري لماذا لم أنجح في ذلك حتى الآن ومازلت أحاول!

الآباء ثلاثة!
في ظل الظروف الحالية المتعسّرة والزيادات المطّردة والمتوقّعة في تكاليف المعيشة والاحتمالات القائمة بفرض رسوم دراسية على الطلاب مستقبلا؛ ربما سيضطر الكثير من أولياء الأمور - في الجالية - إلى قطع أبنائهم عن الدراسة في المدارس الحكومية.
فأما الأب الأمّي غير المتلهّف على تعليم ابنه فربما سيكتفي حينها بالاحتجاج بالوضع القائم دون التفكير في توفير البديل لابنه.
وأما الأب المتعلم الحريص على مستقبل ابنه فإنه سوف يشعر في نفسه بالذنب تجاه ابنه إذا ما استسلم للوضع واكتفى مثل الأول بالاحتجاج بالوضع القائم.

وإذن فما الحل؟ ما البديل الذي يمكن توفيره للأبناء المقطوعين عن الدراسة الرسمية في المدارس الحكومية؟
هذا السؤال المحيّر ربما يملك الأب المثقف الواعي الإجابة عليه ويملك الرؤية الواضحة حولها لتنفيذها وتطبيقها في حياة ابنه - بعون الله وتوفيقه طبعا - إذا ما واجه احتمالا خطيرا كهذا.

الإجابة تكمن في المعطيات التقنية الهائلة والوسائط الإلكترونية المتعددة التي أنتجتها الحضارة العالمية المعاصرة.
تحت أي ظرف من الظروف ولأي سبب من الأسباب حين يضطر طفل من الأطفال أو طالب من الطلاب إلى الانقطاع عن الدراسة فإنه يجب على ذويه أن لا يتركوه وشأنه باعتبار أن فرصته في الحياة الدراسية قد انتهت. كلا، لم تنتهِ ولن تنتهي.
ليس بالضرورة أن يكون التعليم والتعلم داخل أسوار المدرسة أو الجامعة - في حال التعذر - في الوقت الذي فتح الله فيه على أهل هذا الزمان من الوسائل والسبل والإمكانيات ما لم يُبقِ عذرا لمتعذّر أو متهاون.

مدارسهم في أيديهم!
ما من أسرة متوسطة الحال يؤويهم بيت متواضع إلا وفيه جهاز أو أكثر من الأجهزة اللوحية الذكية التي تستهوي الصغار أكثر من الكبار، وتسرقهم من بين أهليهم وذويهم، وتشغلهم عن كل ما حولهم، وتتخطّفهم من العالم الواقعي المحيط بهم إلى واقع افتراضي يأسر عقولهم وأفئدتهم تماما!

هذا الجهاز اللوحي الصغير الذي يمكن توفيره ببضع مئات الريالات فقط يمكن اعتباره المدرسة أو الجامعة البديلة التي يتعلم فيها الطفل أو الطالب المحروم من التعليم المعتاد في المدارس الحكومية والجامعات؛ إذا ما تم توجيه مستخدميه من قبل ذويهم لتوظيفه بعناية وحرص وذكاء في تلقي العلم والمعرفة واكتساب الوعي والثقافة من أوسع أبوابها. 
الطريف هنا أن المدارس الاعتيادية القائمة في الواقع المادي في كثير من الدول المتقدمة بدأت تتوجه نحو تحويل العملية التعليمية إلى عملية تفاعلية ما بين طلابها والأجهزة اللوحية الذكية التي توزعها عليهم بدلا من توزيع المقررات الدراسية الورقية المعتادة. والسبب واضح وبسيط، هو أن هذه الأجهزة الذكية الصغيرة التي في أيديهم تصلهم مباشرة بمصادر العلم الهائلة ووسائط المعرفة المتعددة المبثوثة على شبكة الانترنت بدلا من الاكتفاء بالاتصال الحي بالكتاب والمعلم كمصدرين محدودين من مصادر العلم والمعرفة.

كبرى المكتبات العالمية الشهيرة في العواصم والمدن الكبرى يجري تحويلها بأكملها إلى مكتبات رقمية سريعة توفر نسخا إلكترونية لا نهائية مما فيها من أوعية العلم والمعرفة (المواد المقرءة والمرئية والمسموعة).

لم تعد المدرسة في زماننا هي الخيار الوحيد أو الأفضل لتعليم أبنائنا. هناك بدائل، وسيظل الكتاب الاعتيادي من بينها حسبما يراه المختصون والباحثون في هذا المجال؛ وذلك إذا ما تم ربط الطفل بالكتاب منذ نعومة أظفاره وتعويده عليه؛ وتحبيب القراءة الحرة إليه.

وإذن فلا بد من إنشاء مكتبات متنوعة داخل بيوتنا: ورقية وإلكترونية؛ لتكون معزّزة لدور المدرسة أو قائمة مقامها في حال الحرمان منها تحت أي ظرف من الظروف.

أنت أفضل هدية لابنك!
إن أفضل العطايا التي يمكننا تقديمها لفلذات أكبادنا في حياتهم المستقبلية الواعدة: أن نهديهم آباء وأمهات مثقفين واعين ناضجين، أن نقرأ ونتثقّف لأجلهم، أن نكون قدوات حسنة لهم في القراءة ومصاحبة الكتاب، أن يقتدوا ويتأثروا بنا ويرثوا منا حب القراءة والتعلم الذاتي المستمر، وحينها ربما لن يكونوا في حاجة إلى مدارس تعلمهم، ولن نكون في حاجة لأن نقلق عليهم إذا لم نجد لهم مدارس تعلمهم؛ إلا أن نقلق عليهم حينها بشأن نيل الشهادات وتحصيل الوظائف واكتساب الوجاهة الاجتماعية.
فأما النضج العقلي والتكوين الفكري والبناء الثقافي والتطوير الشخصي فكل أولئك منوط بالتعلم الذاتي المستمر والجهد الشخصي المتتابع عبر مصادر العلم المفتوحة ووسائط المعرفة المتعددة في زماننا.

بعض المشتغلين بالمساهمة في القضية الروهنجية أطلقوا شعارا لفظيا مُلهما قالوا فيه: *"الروهنجيا أمانة"*؛ فما بالكم إذا كان هؤلاء الروهنجيا هم أطفالهم؟ هنا تشتدّ الأمانة وتتضاعف، أعان الله الجميع على أدائها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها والصفحة لا تتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات